• فبراير 11, 2026

المقعد …… الفارغ

Spread the love

ثقافيات

قصة قصيرة .

من سلسلة كتاب ( المدى الاخرس )

بقلم / مروان حبوس

الكاتب مروان حبوس

المقعد …… الفارغ

 كعادتها في كل صباح، كانت ليلى تستيقظ قبل رنين المنبه بدقائق. لم تكن تحب المدرسة كثيرًا، لكنها كانت تستمع بالطريق  وهي في الحافلة المدرسية. كان ذلك الوقت اللحظة الوحيدة التي تستطيع الجلوس  فيه بهدوء، تراقب الشوارع من نافذة الحافلة، وتترك أفكارها تسرح بعيدًا.

اعتادت ليلى الجلوس وحيدة في  ذاك المقعد الأخيرالمزدوج  قرب النافذة. لم يكن ذلك لأنها لا تريد الجلوس مع أحد، بل لأن زميلاتها كنّ يفضلن الجلوس مع صديقاتهن المقربات، بينما هي كانت ليلى هادئة لا تتدخل في أحاديث الآخرين.

في أحد أيام الشتاء البارد، توقفت الحافلة عند محطة جديدة لم تكن تتوقف عندها قبلا. صعدت فتاة ترتدي معطفًا رماديًا واسعًا وتحمل حقيبة تبدو أكبر منها بقليل. كانت تنظربتوتر من  حولها ، بينما كانت أصوات الضحك تملأ الحافلة.

لاحظت ليلى أن الفتاة الجديدة لم تجد مكانًا تجلس فيه و بعض الطلاب تجاهلوها، والبعض الآخر رماها  نظرة  خاطفة  ثم استأنف مكملا الحديث . شعرت ليلى بشيء يشبه الوخز في قلبها، فقد تذكرت أول يوم لها في المدرسة قبل سنوات، حين شعرت بنفس الغربة.

ترددت للحظة، ثم رفعت يدها ولوّحت قائلة: “يمكنك الجلوس هنا إذا أردتِ.”

نظرت الفتاة إليها بدهشة، ثم ابتسمت ابتسامة خجولة وجلست بجانبها.

قالت بصوت منخفض: “شكرًا… اسمي مريم.”

أجابت ليلى بابتسامة دافئة: “أنا ليلى.”

خلال الطريق، لم تتحدثا كثيرًا. لكن مريم كانت تنظر من النافذة مثل ليلى تمامًا، وكأن بينهما لغة صامتة لا تحتاج إلى كلمات.

في الأيام التالية، بدأت مريم تتحدث أكثر. أخبرت ليلى أنها انتقلت حديثًا بسبب عمل والدها الى البلدة ، وأنها كانت تخشى ألا تجد صديقات لها في المدرسة الجديدة، أخبرتها عن هوايتها في الرسم كانت تقول ذلك وهي تنظر إلى يديها وكأنها تخاف من نظرات الآخرين.

أما ليلى، فقد وجدت نفسها تخبر مريم عن حياتها، وعن حبها لمراقبة الناس وتخيل قصص عن حياتهم . كانت هذه أول مرة تشعر فيها ليلى أن هناك شخصًا يستمع إليها باهتمام.

بدأت صداقتهما تكبر يومًا بعد يوم . صارتا تجلسان معًا في المدرسة، وتتناولان الطعام سويًا، وتضحكان على أمور صغيرة قد لا يلاحظها أحد غيرهما.

لكن لم تكن الأمور سهلة دائمًا.

في أحد الأيام، سمعت ليلى بعض الطالبات يتهامسن عن مريم ويضحكن على ملابسها البسيطة. شعرت بالغضب، لكنها لم تعرف ماذا تقول؟؟. لاحظت أن مريم سمعت الكلام أيضًا، لكنها تظاهرت بعدم الاهتمام وفي طريق العودة، كان الصمت يملأ الحافلة.

قالت ليلى أخيرًا: “لا تهتمي بما يقولونه… هم لا يعرفونك.”

ابتسمت مريم ابتسامة حزينة وقالت: “أحيانًا أحاول أن لا أهتم… لكن الأمر ليس سهلًا.”

في تلك اللحظة، أدركت ليلى أن الصداقة ليست فقط مشاركة الضحك، بل الوقوف بجانب من نحب عندما يكون حزينًا.

بعد أسابيع، أعلنت المدرسة عن مسابقة فنية لعرض لوحات الطلاب في معرض كبير. شجعت ليلى صديقتها مريم على المشاركة، لكنها رفضت في البداية لأنها لم تكن تثق بموهبتها.

أصرت عليها وعرضت عليها  المساعدة، وبدأتا تقضيان وقتًا طويلًا بعد المدرسة في الرسم . كانت مريم ترسم مناظر طبيعية جميلة، لكنها كانت تخفي لوحاتها دائمًا.

في ليلة قبل موعد تسليم اللوحات، جاءت مريم إلى منزل ليلى وهي مترددة. قالت إنها تريد الانسحاب من المسابقة لأنها تخاف من رأي الآخرين. جلست ليلى معها طويلًا، وأخبرتها أن الشجاعة ليست في عدم الخوف، بل في مواجهة الخوف.

في اليوم التالي، سلّمت مريم لوحتها.

جاء يوم المعرض، وكانت المدرسة مليئة بالطلاب والأهالي والمعلمين. وقفت مريم بعيدًا عن لوحتها، وكأنها تخاف من النظر إليها. فجأة، تجمع عدد من المعلمين والطلاب أمام اللوحة، وبدأوا يمدحون جمالها ودقة تفاصيلها.

اقتربت مريم ببطء، وكانت الدموع تلمع في عينيها. نظرت إلى ليلى وهمست: “لو لم تدعيني للجلوس بجانبك في ذلك اليوم… لما كنت هنا الآن.”

ابتسمت ليلى وقالت: “ولو لم تجلسي… لبقي المقعد فارغًا.”

مع نهاية العام الدراسي، كانت الحافلة تعج بالضحك والذكريات. لم يعد المقعد الأخير مكانًا للصمت والوحدة، بل أصبح مكانًا للقصص والأحلام والخطط للمستقبل.

جلست ليلى تنظر من النافذة كما كانت تفعل دائمًا، لكنها هذه المرة لم تكن وحدها. أدركت أن أحيانًا أبسط قرار، مثل فتح مكان لشخص آخر في حياتنا، قد يملأ فراغًا لم نكن نعرف بوجوده.

وكان المقعد الفارغ… بداية حكاية لم تكن تتوقعها.

Read Previous

قبلات … دامعة .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Most Popular