• أبريل 4, 2026

ظلّ… على شرفة الغياب

Spread the love

ثقافيات

قصة قصيرة .

 بقلم / مروان حبوس .

                 ظلّ… على شرفة الغياب

في أحد أحياء بيروت القديمة، حيث البيوت متلاصقة كأنها تتبادل الأسرار، كان هناك مبنى رماديا تعلوه شرفات صغيرة، تتدلى منها نباتات ذابلة وأحلام مؤجلة.

في الطابق الثالث، كانت تعيش مهى، فتاة في السابعة والعشرين، تعمل في مكتبة صغيرة في شارع الحمراء. لم تكن حياتها استثنائية، لكنها كانت مليئة بالتفاصيل الصغيرة التي لا يلاحظها أحد: كوب القهوة الصباحي، رسالة أمها التي تسألها إن كانت قد أكلت جيداً، ونظرتها الطويلة من الشرفة كل مساء.

في الطابق المقابل، عبر الشارع الضيق، سكن سليم. شاب عاد من السفر بعد سنوات من الغياب. لم يعد كما كان؛ الغربة جعلته أكثر صمتاً، وأكثر انتباهاً لتفاصيل لا تعني أحداً.

لم يلتقيا وجهاً لوجه في البداية. كانت البداية نظرات عابرة بين شرفتين.

هي تسقي نبتتها الوحيدة، وهو يدخن سيجارته الأخيرة قبل النوم.

هي ترفع رأسها مصادفة، فيخفض هو عينيه كأنهما تلبستا بنظرة  غير مقصودة .

مرّت الأيام، وتحوّلت المصادفة إلى انتظار صامت.

ذات مساء انقطعت الكهرباء عن الحيّ. غرق الشارع في ظلام دامس ، لا يقطعه إلا ضوء القمر. خرج السكان إلى الشرفات، يتبادلون التذمر المعتاد. لكن تلك الليلة، حدث شيئا  مختلفا.

قال سليم بصوتٍ عالٍ: “يبدو أننا سنحتاج إلى نجمة إضافية لتضيء هذا الحي.”

ضحك بعض الجيران، لكن مهى وحدها نظرت إليه مباشرة، وقالت: “أو ربما نحتاج إلى شخص يشعل الضوء في داخله أولاً.”

سكت الجميع لحظة. لم يكن الحوار عميقاً، لكنه بدا كأنه موجه لشخص واحد فقط .

في اليوم التالي، وضع سليم كتاباً صغيراً في السلة المربوطة بالحبل، المتدلي  من الشرفة إلى دكان الحيّ،  والتي تحتضن طلبات الخضار والخبز صعودًا و بالنقود  نزولا فترددت قليلاً، ثم فكّت الخيط. كان الكتاب رواية قديمة، وعلى الصفحة الأولى كتب بخطّ بسيط: “لمن تؤمن أن الضوء يبدأ من الداخل.”

ابتسمت، لكنها لم تردّ مباشرة.

مرّت أسابيع، تبادلا خلالها كتباً ورسائل قصيرة بلا أسماء، بلا وعود، بلا اعترافات واضحة. كان بينهما اتفاق غير مكتوب: أن تبقى المسافة قائمة، وأن يظل كل شيء نقياً كما هو.

لكن الحيّ لا يحب الصمت.

بدأت الهمسات.

من هذا الشاب؟

ولماذا تتبادل معه الكتب؟

وصل الكلام إلى أمّ مهى في القرية. اتصلت بها بنبرة قلق: “الناس لا ترحم يا ابنتي.”

في تلك الليلة، لم تخرج مهى إلى الشرفة.

انتظر سليم طويلاً، لكن الضوء ظل مطفأ.

في اليوم التالي، استيقظ الحيّ على خبر مفاجئ : سليم سيغادر مجدداً، عقد عمل جديد في الخارج. كان قراراً سريعاً، كأن الرحيل أسهل من المواجهة.

في المساء، خرج للمرة الأخيرة إلى الشرفة، كانت فارغة.

بعدها وضع كتاباً أخيراً … لكن لا أحد أخذه.

سافر فجراً.

بعد يومين، خرجت مهى إلى الشرفة بوجه شاحب. نظرت إلى الأرض، فرأت الكتاب ما زال معلقاً، يتأرجح مع الريح. سحبته ببطء.

فتحت الصفحة الأولى، فوجدت عبارة قصيرة:

بعض العلاقات لا تحتاج إلى اكتمال… يكفي أنها أثبتت لنا أننا ما زلنا نشعر.”

جلست طويلاً، والشارع هادئ. لم تبكِ. لم تندم. فقط أدركت أن الخوف من كلام الناس كان أثقل من احتمال السعادة.

بعد أشهر، أعادت طلاء شرفتها، ووضعت نبتتين بدل واحدة. لم يعد هناك من ينتظرها في الشرفة المقابلة، لكن الضوء في داخلها لم يعد مطفأً.

أما الحيّ… فبقي كما هو.

يتحدث كثيراً، ويفهم قليلاً.

Read Previous

الهجاء … حد السيف القاطع بين النقد والاستهزاء .

Read Next

اكتئاب ما بعد الولادة … قنبلة موقوته للانفجار .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Most Popular