ثقافيات
قصة قصيرة
بقلم / مروان حبوس

فــورةُ …. الــدم
لم يكن رجلاً عنيفاً كان هادئاً حدَّ البرود، صامتاً حدَّ الغموض لكنّ الصمت، حين يطول، لا يصير حكمة… بل يصير خزّاناً ممتلئاً بما لا يُقال.
اسمه سامر، وكان يعيش عمره كله وهو يبتلع الكلمات. يبتلع الإهانات الصغيرة، النظرات المستعلية، الجُمل التي تُلقى على الطاولة كما تُلقى الفتات للطيور.
لم يكن يردّ.
كان يؤمن أن الصبر انتصارٌ مؤجل. إلى أن جاءت تلك الليلة.لم تكن المشادة مختلفة عن سابقاتها.
كلمات قاسية، اتهامات، جرحٌ قديم أُعيد فتحه ببرود.لكن شيئاً ما حدث في داخله…
شيء لم يكن كلمة، ولا فكرة، بل حرارةٌ صعدت فجأة من صدره إلى رأسه.كأن الدم قرر أن يتكلم.
قالوا لاحقاً إنها لحظة.لحظة قصيرة لا تُقاس بالزمن.لكنه حين استعادها في ذاكرته، وجدها أطول من عمره كله.لم يفكر.لم يزن.لم يتذكر وجه أمه، ولا صور الطفولة، ولا كل ما كان يخاف أن يخسره.كانت هناك فقط تلك الفورة…ذلك الاندفاع الأعمى الذي يجعل الإنسان يختصر العالم في غضبه.وحين سقط كل شيء إلى الصمت…
عاد إليه صوته.
لكن بعد ماذا؟
جلس على الأرض، يحدّق في يديه كأنهما لا تخصّانه.لم يكن يرى ما حدث بوضوح، بل كان يشعر بثقله.كأن الحياة انكسرت في داخله قبل أن تنكسر خارجه.في الزنزانة، لم يكن أكثر ما يؤلمه الجدران.كان يؤلمه أنه تذكّر، متأخراً، أنه كان يستطيع أن ينسحب.أن يصمت مرةً أخرى.

أن يختار الهزيمة الصغيرة بدل الكارثة الكبرى.كان يكرر في داخله:“لو أنني انتظرت دقيقة… فقط دقيقة.”لكن الدقيقة، حين تمر، لا تعود.والدم، حين يفور، لا يعتذر.بعد سنوات، لم يعد سامر يغضب.صار هادئاً كما كان…لكن بهدوء يشبه الرماد بعد الحريق.تعلّم أن الإنسان لا يُدمَّر بأعدائه،
بل بلحظةٍ واحدة يترك فيها نفسه لاندفاعها.وفهم أخيراً أن القوة ليست في الرد،بل في القدرة على أن تؤجّل الرد…
إلى أن يبرد الدم
