ثقافيات
تركيا خاص / (موقع الكاميرا )
كتبت / درصاف السهيلي

الدراما الحزينة والكوميديا… كيف تُعيد برمجة وعينا وتؤثر في طاقتنا ومشاعرنا؟
لم تعد الأعمال الدرامية مجرد قصص تُروى للتسلية او منهج تعليمي بسيط سمعى بصرى ممنهج حتى انه يقود المتفرج للملل اليوم، المسلسلات والأفلام تمتلك قدرة هائلة على التسلل إلى وعي الإنسان من خلال اللاوعي الألوان، الموسيقى، الترددات، زوايا التصوير، الإيقاع البصري، وطاقة المشاهد… أصبح كل عمل فني قادرًا على لمس أعمق نقطة في نفس المتفرج، ومع تطور الصناعة السمعية البصرية و التقدم التكنولوجي و عصر السرعة هذا، صارت الدراما اليوم تُعيد تشكيل “العقل العاطفي” ، أحيانًا دون قصد، وأحيانًا بقصد شديد الدهاء امام الدراما الحزينة نتسائل لماذا يتعلّق الناس بالألم و هي من أكثر الأنواع تأثيرًا على الإنسان

عندما يرى المتفرج بطلًا يعاني خسارة، مرضًا، ظلمًا، أو خيبة، يتوحد معه حسيا وكأنه يعيش التجربة في واقعه هنا ينشط مركز الذاكرة العاطفية في الدماغ، للمتفرج نفس فيستحضر ذلك الشعور في بعض المواقف بحياته، والأغرب ان الكثير من الناس يشعرون براحة غريبة بعد مشاهدة الحزن، لأن الدراما الحزينة تقوم بـ تحريك المشاعر المخبّأة… تلك التي نخاف أن نواجهها في الواقع فيتحول البكاء من ألم إلى تحرير طاقة لكن للمشاهدة المتكررة للحزن تأثير آخر فالعقل الباطن يعتاد هذا النمط من القصص، فيصبح إمّا أكثر خوفًا منها في حياته الحقيقية، أو أقل حساسية تجاه خطورتها، و غالبهم يتحول مودهم و طاقتهم و سلوكهم إلى سلبي و يكون مهموم دون هم مغموم و حياته بخير مع التشويق المتواصل، يُفرز الدماغ هرمونات التعاطف والإشباع، فينشأ نوعا من التعلّق… شبيه بالإدمان على هذه الأعمال فلا يحلو الاكل إلا أمام المسلسل و لا يمكن النوم إلا على صوت التلفاز “مثلا“

الكوميديا… ليست فنًا خفيفًا كما نظن
الكوميديا ليست ضحكًا فقط هي طاقة عالية، قادرة على تخفيض التوتر، ورفع الإندورفين، وكسر الضغط النفسي الذي يعيشه الإنسان يوميًا المشاهد غالبًا يلجأ للكوميديا ليهرب من ضغوطات حياته، لكن الأخطر… أنّ الكوميديا الساخرة تحديدًا تُدخل النقد الاجتماعي والسياسي إلى الوعي بشكل لطيف وغير مقاوم فيتقبله العقل بسهولة، ويذهب مباشرة إلى اللاوعي، هنا يصبح المخرج قادرًا على التحكم في طاقة المتفرج ومزاجه وحتى أفكاره، مثلا الألوان على الشاشة … لغة غير منطوقة تغيّر أحاسيسنا أيضًا و تتحكم بمودنا الأزرق والرمادي يحفّزان إحساس البرود/الوحدة و الحزن الأحمر والبرتقالي يرفعان وتيرة التوتر والإثارة – الأخضر والتركواز يهدّئان المشاعر ويمنحان ارتخاءً نفسيًا – الأصفر القوي يخلق طاقة مضطربة
هذه ليست مصادفة… هذه برمجة بصرية.
الموسيقى ايضا ترددات تدخل مباشرة إلى الدماغ و هي عنصر خطير في الدراما، لأنها تتحكم في المتفرج بالذبذبات الداخلية للمشاهدعلى سبيل المثال أيضًا:
– الموسيقى السريعة ترفع الأدرينالين.

– الموسيقى الحزينة تخفّض الطاقة وتزيد الإحساس بالحنين.
– الترددات العميقة جدًا (Sub-bass) تُوجّه الحالة النفسية بلا مقاومة
لان الأذن تستقبل… والعقل يلتقط
نبضات القلب للمشاهد تتغير
فاللقطات السريعة ترفع نبضات القلب وتخلق توترًا و اللقطات البطيئة تُعمّق التركيز العاطفي وتزيد من الاندماج ومع التشويق المستمر، تنتهي كل حلقة بصدمة صغيرة تجعل الدماغ يفرز دفعة دوبامين إضافية… فيحتاج للمزيد لذلك نجد أشخاصًا لا ينامون دون حلقتين، ولا يحلو لهم الطعام إلا والمسلسل أمامهم… لأن الدماغ ربط المتعة بالمشاهدة يمكننا ان نقول الدراما أصبحت حياة بديلة اليوم، الدراما تمنح الإنسان عالمًا يهرب إلي
يتقمص شخصية البطل، يعيش صراعاته، ويصبح جزءًا من القصة
فيبدأ الواقع بالتراجع… ويحل محلّه عالم خيالي مبنى على وهم يعيد تشكيل مشاعر ووعي المتفرج الجاهل بما يقدم له من خلال ذلك الإنتاج الدرامى حتى أغلب المتفرجين لا يسألون بعد كل مشاهدة ما أرادوا قوله من خلال هذا العمل ما هى الرسالة
– و ماذا اعتبرت انا أو كيف يمكن أن يستفيد غيري من مشاهدة هذا العمل
ناس تستهلك دون أن تطلع على مما صنع المنتوج و لأى غرض …
هنا الدراما تُغيّر وعي الشعوب؟
نعم تغير… وبشكل كبير
الدراما اليوم هي أداة هندسة نفسية وثقافية تؤثر في – السلوكيات داخل المجتمع
– صورة الرجل والمرأة
– معاني الحب والانتقام
– العلاقات العاطفية
– القيم والمبادئ
– الذوق العام
– شكل الحياة التي يحلم بها الناس
ولا ننسى تأثير الدراما التركية والكورية والعربية الحديثة، التي غيرت أسلوب اللباس، طريقة الكلام، وحتى نظرة الناس للحب والعلاقات نتأمل بالموضوع قليلا و نأخذها على سبيل المثال لابأس في النهاية… الدراما قوة ناعمة تتحكم في الوعي من خلال اللاوعي للمتفرج
و لذلك سميت بالقوة الناعمة
سواء كانت حزينة أو كوميدية، الدراما اليوم تعمل على إعادة تشكيل الوعي الجمعي كل مشاهد يدخل قصة المسلسل بطاقة قلبه وروحه، ويتأثر بها حتى بعد انتهاء الحلقة
العمل الذي لا يلمس المتفرج بهذه الطريقة اليوم صار يعتبر عملا فاشلا يجب على المتفرج أن يكون واعيًا بما يراه، وعلى المخرج والكاتب أن يدركا حجم المسؤولية، فليس كل مخرج مخرج ، الاخراج هندسة و الكتابة أصعب و مسؤوليتها أكبر طبعا
فالدراما ليست قصة تعرض
بل رسالة تُزرع وطاقة تُنقل
وعالم كامل يُعيد تشكيل جيل كامل.
