ثقافيات
تركيا / خاص موقع (الكاميرا )
كتبت / درصاف السهلي
الديجيتال والإنتاج الدرامي…
حين يصبح الضوء ساطعًا على التفاهة والظل يغطي القيمةفي زمنٍ أصبح فيه الديجيتال ملاذًا لصناع المحتوى والمشاهير بمختلف أنواعهم، صار الإنتاج الدرامي والإعلامي يعيش حالة غريبة، متناقضة، ومربكة وفرة في المحتوى… مقابل ندرة في القيمة، وغياب شبه كامل للرسالة الإنسانية من الفن.

نحن أمام موجة عارمة من أعمال تُصنع على عجل، أو تُبنى على تفاهة مَرَضية فقط لتقول:
“نحن هنا… تابعونا… كبّسوا… اشتركوا…“
حتى لو كان هذا الوجود مجرد ظل بلا روح، وحتى لو تحوّل المحتوى إلى نوع من التسوّل الإلكتروني، أو إلى مهنة من لا مهنة له.
أغلب هذه الظواهر وُلدت من مجتمعات تعيش تفككًا ثقافيًا وأخلاقيًا وأسريًا وعقائديًا، فصار النقص الداخلي يُعالج بالسعى الى الشهرة و الأرباح السريعة، حين يتحول الممثل من فنان إلى باحث عن “الترند” الممثل أصبح اليوم “مؤثرًا” قبل أن يكون فنانًا، لم تعد الفرصة تُعطى للموهبة أو الكفاءة، بل لعدد المتابعين ومقاييس المشاهدات.
صار ما يسمونه “الإنفلونسر” بطلًا فجأة، حتى لو كان يفتقر لأبسط أدوات الممثل، ولا يعرف شيئًا عن:
– كونستانتين ستانسلافسكي
مؤسس منهج التمثيل الحديث.
– أوغوستو بوال
مؤسس مسرح المقهورين.
– بريخت
صاحب المسرح الملحمي.
– جاك لوكوك
رائد المسرح الجسدي
والكوميديا ديلارتي.

يكفي أنه “ يحب يمثل” و وجد طريقا لذلك، يريد أن يعمل ممثلا وهو لا يعلم حقيقة “لماذا الممثل ممثلا” …
المهم أن يسمع الصقفة، حتى وإن كانت النتيجة تلوثًا سمعيًا بصريًا لا يحمل أي معنى.المنتج اليوم يفكّر بالأرقام قبل النظر الى النص، لا يسأل:
ما الفكرة؟
ما الرسالة؟
ما القضية؟
بل يتسأل :
كم ستحقق Views؟
كم إعلانًا سنضع؟
كم Sponsorship؟
هكذا يُبنى العمل على أرقام مفخخة، حتى أصبح عالم الدراما والإعلام أشبه بسوق لا يحترم ذوق الجمهور أو عقله.
عندنا أيضا المخرج الذي كان يمسك روح العمل ويربط بين إحساس الممثل والديكور والصوت والإضاءة ليخلق إبداعا يرتقي بالذوق العام… أصبح محاصرًا بمنطق الإنتاج الرقمي
صوّر بسرعة
اقطع بسرعة
نريد حلقة يوميًا
لا وقت للعمق
لا نريد خريج معهد، نريد “المفاضيح”
المخرج أيضا تحوّل من فنان خالق عوالم إلى موظف يجري خلف الجداول… لا خلف الفكرة.و في الجانب الآخر الإعلام من الكلمة المسؤولة إلى التهريج من جهة أخرى، يبرز إعلاما جديدا لا يعرف معنى السؤال، ولا إدارة الحوار، ولا مسؤولية الكلمة.تحوّلت البرامج إلى دردشات معلبة فضائح مدفوعة الثمن، تهريج وصراخ،ضحك مصطنع، مشاهد بلا روح بأختصار كما تعرفون التفاهة تهيمن… والمحتوى الجيّد يُعاقَب بالصمت نعيش اليوم تلوثًا سمعيًا وبصريًا فاحشًا، تحديات غبية، تمثيل ركيك، “فلوقات” بلا معنى، وبرامج أشد تفاهة.والمؤلم أن هذا ما يُسوّق ويُموّل.

المحتوى الجيد موجود… لكنه يبكي في الزاوية، لأنه لا يبيع إعلانًا لمنتج سام، في زمن أصبح فيه الالتزام والاحترام ممل
اجتماعات الإنتاج اليوم تختصر غالبًا في “أريد مسلسل 10 أو 20 حلقة”… حسب الميزانية. شغّل الممثل فلان حتى لو لم يناسب الدور.” لا أحد يسأل عن أثر الحكاية، أو ضرورة الرسالة، أصبح الفن مادة استهلاكية لها تاريخ انتهاء صلاحية أسرع في حال تغير “الترند”.
الجمهور نفسه تغيّر…
الجمهور الذي كان يقاوم الرداءة، صار جزء منهاهو متعطّشا للفن، لكنه يستهلكه بسطحية، بلا فهم أو ذوق أو اعتبار لكن لا يزال هناك أملا ما دام هناك أصواتا قليلة، صادقة، عنيدة، تقاوم.
هناك مخرجون يرفضون أعمالًا تافهة، ممثلون يقدمون ادوارهم بصدق، وكتّابا يحفرون عميقًا حتى دون أن يجدوا من يشتري نصوصهم. هؤلاء يؤمنون بأن الديجيتال وسيلة… لا بديل عن الإبداع، ولا عن جوهر الرسالة الإنسانية للفن.نحن أمام بحر مليء بمحتوى سام…لكن لا يزال هناك قناديل عديدة تضيء.
