• مارس 16, 2026

  الرسالة   …. التي لم تصل

Spread the love

ثقافيات

قصة قصيرة

بقلم / مروان حبوس

كاتب القصة

                   الرسالة   …. التي لم تصل

في أحد الأحياء الهادئة، كان هناك محلا صغيرا  لبيع القرطاسية يملكه رجل في الخمسين من عمره يُدعى يوسف. كان المحل بسيطاً، لكنه معروف بين طلاب المدارس القريبة، إذ كان مالكه  رجلاً لطيفاً لا يرفض طلباً لطفل، وغالباً ما كان يضيف قلماً مجانياً مع كل دفتر.

كان يعيش حياة هادئة، يفتح محله صباحاً، ويغلقه مع غروب الشمس، ثم يعود إلى شقته الصغيرة فوق المحل. لم يكن لديه زوجة أو أولاد، وكان سكان الحي يعرفونه كشخص محترم لكنه قليل الاختلاط .

في أحد الأيام، دخلت المحل فتاة في السادسة عشرة من عمرها تُدعى سارة . كانت تبدو مترددة، تحمل ورقة صغيرة مطوية بعناية.

قالت له: “عمو… هل يمكن أن أضع هذه الرسالة في صندوق البريد هنا؟”

كان يوسف قد وضع صندوقا بريديا صغيرا داخل محله  منذ سنوات، ليس للخدمة الرسمية، بل لأن أطفال الحي اعتادوا أن يكتبوا رسائل لبعضهم أو لأساتذتهم، وكان يوصلها بنفسه أحياناً بدافع اللطف.

أخذ يوسف الرسالة، ونظر إلى العنوان. كان مكتوباً عليها فقط: “إلى أبي”

رفع حاجبيه باستغراب، لكنه لم يسأل فقط ابتسم وقال: “ستصل بإذن الله.”

خرجت سارة، لكنها بدت وكأنها تترك خلفها حملاً ثقيلاً.

مرت أياما، ثم عادت سارة برسالة أخرى ثم ثالثة فكانت تأتي كل أسبوع تقريباً، وتضع رسالة جديدة بنفس العنوان الغامض.

بدأ الفضول يتسلل إلى يوسف، لكنه كان يحترم خصوصية الآخرين. كان يحتفظ بالرسائل في درج مكتبه لأنه لم يكن يعرف إلى أين يجب أن يرسلها.

وذات يوم، لاحظ أن سارة تبدو حزينة أكثر من المعتاد. سألها بلطف: “هل الرسائل مهمة جداً؟”

نظرت إليه للحظة، ثم قالت: “نعم… لكنها لن تصل أبداً.”

تفاجأ يوسف وسألها: “لماذا؟”

أجابت بصوت منخفض: “لأن أبي تركنا منذ سنوات… ولا أعرف أين هو؟؟. لكني أكتب له كل فترة لأخبره ماذا يحدث في حياتي… أشعر أنني إن توقفت عن الكتابة، سأفقده تماماً.”

شعر يوسف بانقباض في قلبه، لكنه لم يجد كلمات مناسبة. اكتفى بأن قال: “أحياناً… الكلمات تجد طريقها حتى لو لم تصل بالبريد.”

مرت الشهور، واستمرت سارة في إرسال الرسائل. وكان يوسف يقرأ عناوينها أحياناً دون أن يفتحها، يشعر أنها تحمل شيئاً أثقل من مجرد كلمات.

في إحدى الليالي، بينما كان يوسف يغلق المحل، سمع طرقاً خفيفاً على الباب. كانت والدة سارة. بدت قلقة وسألته: “هل تأتي ابنتي إلى هنا كثيراً؟”

تردد يوسف قليلاً، ثم قال: “نعم… تكتب رسائل.”

تنهدت المرأة وقالت: “كنت أخشى ذلك.”

جلس يوسف معها، فعرفت منه  حقيقة الرسائل فصمتت قليلاً، ثم قالت: “والد سارة… لم يتركنا كما تظن.”

نظر إليها يوسف باستغراب.

قالت بصوت متقطع: “لقد توفي قبل خمس سنوات… لكنها كانت صغيرة جداً. لم أستطع إخبارها بالحقيقة… قلت لها إنه سافر للعمل… وخفت أن تنكسر.”

شعر يوسف بصدمة، ولم يعرف ماذا يقول. أدرك فجأة أن الرسائل التي يحتفظ بها ليست مجرد أوراق… بل حوار طويل بين ابنة وذكرى.

سألها: “وهل تنوين إخبارها بالحقيقة؟”

أجابت وهي تمسح دموعها: “لا أعرف… كلما حاولت، أخاف أن أجرح قلبها.”

في تلك الليلة، لم يستطع يوسف النوم. ظل يفكر في الرسائل المكدسة في الدرج، وفي تلك الفتاة التي تكتب لأب لن يقرأ كلماتها أبداً.

وفي صباح اليوم التالي، اتخذ قراراً غريباً.

فتح إحدى الرسائل.

كانت مليئة بحكايات بسيطة عن علاماتها المدرسية، عن صديقتها التي انتقلت إلى مدينة أخرى، وعن خوفها من أن ينساها والدها.

جلس يوسف طويلاً يقرأ الرسالة، وعيناه تمتلأن بالدموع.

ثم أخذ ورقة بيضاء… وبدأ يكتب رداً.

كتب لها رسالة قصيرة، بلغة دافئة، يشجعها فيها، ويخبرها أنه فخور بها، وأنه يتابع أخبارها دائماً.

لم يوقع باسمه… بل كتب فقط: “من أبي”

عندما جاءت سارة في الأسبوع التالي، وجدَت رسالة داخل صندوق البريد باسمها.

فتحَتها بيدين مرتجفتين. قرأت الكلمات، ثم جلست على الكرسي في المحل، وبدأت تبكي… لكنها كانت دموع فرح.

قالت: “وصلت… أخيراً وصلت.”

نظر إليها يوسف بصمت، وقلبه يخفق بشدة، يشعر أنه فعل شيئاً ربما لا يحق له فعله… لكنه لم يحتمل أن تبقى الرسائل بلا جواب.

مرت السنوات، واستمرت المراسلات. كانت سارة تكبر، وتخبر “والدها” عن نجاحاتها وأحلامها، وكان يوسف يرد عليها برسائل مليئة بالحكمة والتشجيع.

لكن المفاجأة الكبرى جاءت بعد سبع سنوات.

دخلت سارة المحل، لم تعد فتاة صغيرة، بل شابة على وشك التخرج من الجامعة. وضعت أمام يوسف صندوقاً صغيراً وقالت: “أريد أن أريك شيئاً.”

فتح الصندوق، فوجد بداخله كل الرسائل التي أرسلها لها.

نظرت إليه وقالت بابتسامة هادئة: “أنا أعرف… منذ ثلاث سنوات.”

تجمد يوسف في مكانه.

تابعت بهدوء: “اكتشفت الحقيقة عندما أخبرتني أمي بكل شيء… وعرفت أنك أنت من كنت تكتب.”

صمت طويل ملىء المكان.

ثم قالت: “كنت أعلم… لكني لم أتوقف عن الرد… لأنني لم أكن أبحث عن أبي فقط… كنت أبحث عن شخص يشعرني أنني لست وحدي.”

انهمرت دموع يوسف دون أن يشعر. لم يجد كلمات، لكنه شعر أن حياته التي ظنها عادية… كانت تعني الكثير لشخص آخر.

ابتسمت سارة وقالت: “أنت لم تكن بديلاً عن أبي… لكنك أنقذت جزءاً مني كان سينكسر.”

في ذلك اليوم، جلس يوسف خلف طاولة المحل، ينظر إلى الأطفال الذين يدخلون لشراء دفاترهم، وأدرك أن بعض الرسائل لا تُكتب بالحبر فقط… بل تُكتب بالمواقف التي تغيّر حياة الآخرين دون أن نشعر.

Read Previous

مكتبة (مافرا البرتغالية )…. صرح ثقافي تاريخي تحرسه الخفافيش

Read Next

فــورةُ …… الــدم

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Most Popular