ثقافيات
حوار / ثقافي .
ما زالت صورته الادبية مصبوغة بالرقي والسلاسة فيلا كل جديد له .
روي حرب : “نزوة” نبض الروح بكفن الحروف وعواصف الواقعية .

في ابعاد نصه الادبي شعاعات متشحة بالصفاء الروحي والسلاسة بسرد الاحداث فالمشهدية في نبض رواياته منبثقة من الواقعية ومكللة بالبلاغة والبيان تشبه العروس المتجلية بليلة زفافها . تقرأه بصمت وتجاهر بقراءته علنا وهو الحرفي البارع في صناعة الرواية الحديثة .
الدكتور روي حرب بعد اصدار روايته الاخيرة (نزوة )فتح قلبه لموقع (الكاميرا ) متحدثا عن وضعية وهموم الرواية العربية في هذا العصر التكنولوجي .
واقع وواقعية .
هل ما زالت الرواية في يومنا هذا بعافيتها كما كانت عليه في الستينات والسبعينات من القرن المنصرم؟
الرواية لم تفقد عافيتها، لكن تغيّرت أدواتها ومناخاتها. في الستينات والسبعينات كانت الرواية العربية تعيش النهضة، تبحث عن هوية جماعية، عن وطن وعدالة ومصير. أما اليوم، فهي تميل أكثر إلى الغوص في العوالم الفردية، النفسية، والوجودية. لم تضعف، بل تبدّلت لغتها واهتماماتها. الرواية اليوم تقف أمام مرآة جديدة، تعكس إنساناً معولماً، هشّاً، قلقاً، وممزّقاً بين الواقعي والرقمي.
لا شك أنّنا نعيش اليوم في عصر اللاقراءة وعدم الإنجذاب الى المطالعة عمومًا، لكننا نقاوم بالكلمة والفكر، وإن تبدّلت الإهتمامات.

ما هي الدوافع النفسية التي تساعد الروائي على ممارسة حرفة الكتابة الروائية؟
الكتابة الروائية فعل شفاء بقدر ما هي فعل مقاومة. الروائي يكتب لأنه عاجز عن الصمت، ولأن الذاكرة لا تكفّ عن النزيف. الدافع الأعمق هو الحاجة إلى الفهم؛ فهم الذات والآخر والعالم. أحياناً، يكتب الروائي ليصالح طفولته، أو ليمنح الموت معنى، أو ليخلق من الألم جمالاً قابلاً للعيش.
وفي كثير من الأحيان نكتب لأننا نريد أن نعيش أكثر من حياة.
نزوة …القرار والغاية .
أعطنا صورة موجزة عن الصفة الأدبية الخاصة بروايتك الجديدة (النزوة).
في “النزوة”، اللغة ليست مجرّد وسيلة سرد، بل كائن نابض. الرواية تمزج بين الواقع والخيال، تستند على تقارير إخبارية وأبحاث علميّة، ثمّ تعود لتمزج بين الجسد والفكرة، بين الحاضر والماضي. شخصياتي لا تُروى فحسب، بل تُعرّى. هي رواية عن الرغبة بوصفها مرآة للحرية، وعن الخطيئة كوجه آخر للبحث عن الخلاص. أردت أن تكون “النزوة” رحلة داخل أعماق النفس البشرية، لا مجرد حكاية تُروى بل تجربة تُعاش.
اعتمدت الأسلوب السينمائي فترى القارئ يتنقّل بين الفصول بسرعة وديناميكيّة، بدون ملل ولا إكثار من الوصف ما يترك له الحريّة لخلق الشخصيّات التي تشبع مخيلته.

ما هي التغيرات التي حصلت لحرفيتك في فن الرواية بين أول رواية حتى النزوة؟
تطوّرت لغتي من التوصيف إلى الإيحاء، ومن الخطّ المستقيم إلى البنية الدائرية المفتوحة. في بداياتي كنت أكتب لأقول ما أشعر به، أما اليوم فأكتب لأترك القارئ يشعر بما لم أستطع قوله. الحرفة أصبحت أكثر وعياً بالإيقاع الداخلي للجملة، وبالرمز كوسيلة لاختزال التجربة، وبالسكوت بوصفه جزءاً من النص.
باحث ومحلل في مجال الدراسات الأدبية والكتب المدرسية، هل هذه الشمولية المعرفية أثّرت على كتاباتك الروائية؟
بالتأكيد. الدراسة الأكاديمية منحتني أدوات التحليل، لكن الرواية منحتني الحرية. هذا التزاوج جعلني أكثر وعياً بالبنية وبالرمز الثقافي داخل النص. الرواية ليست نقيض البحث، بل امتداده في منطقة أكثر حساسية ووجدانية. فالمعرفة حين تمتزج بالخيال تولّد نصاً يحمل العمق والصدق معاً.
ما هي تأثيرات المنصات الإلكترونية اليوم على الرواية العربية؟
المنصات الرقمية غيّرت المشهد. صرنا ضحايا الفيديوهات القصيرة، والملل السريع، وعدم المطالعة، والإنجذاب الى غرائب الأمور. فتحت المنصات الإلكترونية من جهة الباب أمام أصوات جديدة، ومن جهة أخرى جعلت النص الأدبي عرضة للاستهلاك السريع. الخطر يكمن في أن تتحول الرواية إلى “محتوى”، لا إلى فنّ. لكنني أؤمن بأن الرواية الجيدة، حتى في زمن السرعة، قادرة على التمهّل، على فرض إيقاعها الخاص، لأن القارئ الحقيقي لا يُغرَّر به بسهولة.

مخاوف …مقلقة .
-
ما هي المخاوف التي تنتابك حيال الحياة الثقافية في لبنان؟
من أبرز المخاوف لديّ هي أن يصبح المثقف صوتاً بلا صدى. كان لبنان يوماً منارة للثقافة، واليوم يعيش انقساماً بين البقاء والاندثار على مستوى الفكر. ما يقلقني هو غياب السياسات الثقافية، وتهجير المبدعين، وامتهان الكلمة في كثير من الأحيان. لكن رغم كل ذلك، ما زلت أؤمن أن تحت الركام ثمة بذور ضوء تنتظر من يسقيها.
ما زال القارئ العربي متمسكاً بالكتاب الورقي؟
نعم، وإن بنسبة أقل. الكتاب الورقي لا يُستبدل بسهولة، لأنه يحمل طقساً حسياً لا يقدّمه الضوء البارد للشاشة. رائحة الورق، الهامش، الخطوط المائلة بقلم الرصاص، كلّها ذاكرة حميمية. صحيح أن القراءة الرقمية صارت واقعاً، لكنها لم تُلغِ السحر الورقي، بل جعلت منه ملاذاً للنخبة التي تبحث عن لذّة القراءة الحقيقية. فكما أنّ التلفزيون سرق بعضاً من ضوء الإذاعة والمنصات الرقميّة سرقت من وهج التلفزة لكنّنا سريعًا ما عدنا الى البودكاست الذي يذكرنا ببدايات البرامج الإذاعيّة والتلفزيونيّة ولكن بأسلوب متطوّر وعصري. وهذا ما يحصل مع الكتاب الورقي، يتطوّر ويعايش العصر ولكن بأسلوب مختلف.
في أحداث روايتك (النزوة) الكثير من الموضوعات الاجتماعية الخطيرة، كيف نسّقت الحبكة فيما بينها؟
النسيج السردي في النزوة يقوم على التوازي لا على التسلسل. اعتمدت البنية المقطعية التي تجعل كل فصل مرآة لآخر. كنت أشتغل على ما أسميه “الإيقاع المعنوي”، أي أن كل حدث يُسهم في بناء الحالة النفسية للشخصيات، لا فقط في تطوّر الحدث الخارجي. كل موضوع اجتماعي خطير في الرواية مرتبط بخيط واحد: السؤال عن الحرية في وجه القيد، ومخاطر اندثار الإنسانيّة في مجتمع صار ماديًّا يقتل كل طموح.
– لماذا لا تُحوَّل رواياتك إلى أعمال درامية على الشاشة، وخصوصاً رواية (النزوة)؟
تحويل رواية إلى دراما يحتاج إلى مخرج يقرأ ما بين السطور لا ما فوقها. النزوة ليست قصة يمكن اختزالها في مشاهد، بل عالم قائم على اللغة والرمز والإيحاء. ومع ذلك، لا أستبعد أن أوافق يوماً، إذا وجدت من يستطيع أن يحوّل الصمت الذي في الرواية إلى صورة ناطقة دون أن يفقد جوهرها الإنساني. لكن ينطبق على هذا السؤال المثل الشعبي القائل “أنا وأهلي موافقين يبقى الملك وابنته”، فبالتالي نحن بحاجة الى منتج مثقف يقرأ ويدعم الكاتب اللبناني.
